الثعالبي

42

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

هذا من زكريا على جهة الشك ، وإنما سأل علامة على وقت الحمل . وقوله تعالى : ( آيتك ألا تكلم الناس . . . ) الآية : قال الطبري وغيره : لم يكن منعه الكلام لآفة ، ولكنه منع محاورة الناس ، وكان يقدر على ذكر الله ، ثم استثنى الرمز ، وهو استثناء منقطع ، والكلام المراد في الآية : إنما هو النطق باللسان ، لا الإعلام بما في النفس ، والرمز في اللغة : حركة تعلم بما في نفس الرامز ، كانت الحركة من عين ، أو حاجب ، أو شفة ، أو يد ، أو عود ، أو غير ذلك ، وقد قيل للكلام المحرف عن ظاهره : رموز . وأمره تعالى بالذكر لربه كثيرا ، لأنه لم يحل بينه وبين ذكر الله ، وهذا قاض بأنه لم تدركه آفة ولا علة في لسانه ، قال محمد بن كعب القرظي : لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر ، لرخص لزكريا - عليه السلام - حيث قال : ( آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ) ، لكنه قال له : ( أذكر ربك كثيرا ) قال الإمام الفخر : وفي الآية تأويلان : أحدهما : أن الله تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا ، وأقدره على الذكر والتسبيح والتهليل ، ليكون في تلك المدة مشتغلا بذكر الله وطاعته ، شكرا لله على هذه النعمة ، ثم أعلم أن هذه الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه : أحدها : أن قدرته على الذكر والتسبيح ، وعجزه عن التكلم بأمور الدنيا من المعجزات . وثانيها : أن حصول ذلك العجز مع صحة البنية من المعجزات . وثالثها : أن إخباره بأنه متى حصلت تلك الحالة ، فقد حصل الولد ، ثم إن الأمر خرج على وفق هذا الخبر يكون أيضا من المعجزات . والتأويل الثاني : أن المراد منه الذكر بالقلب ، وذلك لأن المستغرقين في بحار معرفة الله تعالى عادتهم في أول الأمر أن يواظبوا على الذكر اللساني مدة ، فإذا امتلأ القلب من نور ذكر الله تعالى / ، سكتوا باللسان ، وبقي الذكر في القلب ، ولذلك قالوا : " من عرف الله ، كل لسانه " ، فكان زكرياء - عليه السلام - أمر بالسكوت باللسان واستحضار معاني